Friday, September 08, 2006

الشمعة

الابيض ... ثلجٌ جاثمٌ على الطرقاتِ و البيوت الاسود... ليلٌ طويلٌ، تتلوه سويعاتٍ من نهارٍ دون شمس الاحمر... قطراتُ دَّمِ جمدت فوق شفتيه خشخشة المفاتيح وهي تدور في قفل الباب، منحته بعض الدفء الذي يحتاجه و يحلم به ... خلع معطفه الجلدي المبلول بقطرات المطر، و وضعه بالقرب من المدفئة، حتى يجف و كذلك فعل بباقي ملابسه ... توجه للمطبخ، أخرج إناء الحساء الذي صنعه قبل يوم من الثلاجة و وضعه فوق النار، ثم ذهب للحمام ليأخذ حماما ساخنا ... انتهى من الاستحمام، سكب له طبق من الحساء الساخن ... ليعوض به ما فقده من دفء طوال ساعات النهار ... فرش مصلاه، وبدأ في اداء الصلاه ... " يعتقد بانه قد اغفل الكثي من الفروض في اول سنوات تكليفه، وها هو الان يقوم بقضائها دون ان يعلم هل بقى عليه الكثير ام لا " ... حمل القرآن بين يديه و بدأ في القراءه، و يعتمد مقدار ما يقراه على حالته النفسية و الوقت المتاح له، فكلما شعر بالحزن و الوحشه إلتصق بالقرآن ليأنس به و يداوي به وحدته و اكتئابه ... فرغ من صلاته و من تلاوة القرآن، مسح بيده اليسرى على وجهه .... " يحتاج لتهذيب ذقنه " ... فما تعود إلا أن يكون مرتبا جدا لدرجه تثير استغراب البعض منه ... بعض اصدقائه اطلق عليه النكات بسبب ولعه الشديد بالنظافه و النظام و هوسه المحموم بهما، فقد قيل عنه بان احد اهم هواياته هي غسيل الاطباق ... هذب ذقنه و شاربه واخذ حماما جديدا اطفأ انوار غرفته و اشعل شمعه... إستقر على سريره اغمض عينيه، و دارت في مخيلته افكار كثيره و ذكريات جمه، استقرت به الذاكره على صوت والده، وهو يكرر على مسمعه جملة بعد أن لطمه على خده الايسر قبل اكثر من 16 سنه، عندما توفيت جدته " ام والد " ... كان في السنة الدراسية الخامسة عندما توفيت، و كانت وفاتها مفاجئة للجميع فلم تكن تشتكي من اي مرض او عله، و هيئتها لم توحي ابدا بالضعف او الوهن و لم يترك الزمن عليها الا بعض التجاعيد كأثر لا يزول، و ما عدا ذلك فلقد كانت قويه صلبه اكثر صلابة من الكثيرين ممن يصغرونها سنا... صباح يوم الجمعه انتقلت الى جوار ربها و تم الفراغ من مراسم الدفن عند صلاة الظهر تقريبا... عاد من المقبرة و الدموع تملأ عينيه، وقصد بيت جدته الاخرى " ام والدته " ... اخرج من حقيبته كتاب اللغة العربية وبدأ يدرس فيه ... أقيم اول مجلس من مجالس الفاتحه عصرا، و لابد ان يتواجد مع والده واقاربه ، فكان هناك ... نفر الجميع مع صوت اذان المغرب، فذهب مسرعا واخذ كتاب اللغة العربية من جديد ليدرس ... و حينما اقيم مجلس الفاتحه ليلا، كان يتوسط والده وعمه و يتلقى التعزية معهما، و حينما اقتربت الساعه من العاشرة ليلا انصرف الجميع ... في طريق العوده للمنزل، و الدموع لازالت تُذرف من عين والده، قال له: ابي، لن احضر مجلس الفاتحه صباحا و ساذهب للمدرسة، لاقدم امتحان اللغة العربية لطمة قوية على وجهه، تلتها صرخات من والده ..... " انت بلا مشاعر و بلا احاسيس" انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... انت بلا مشاعر و بلا احاسيس ...... تكررت في اذنه هذه الجملة كثيرا، بصوت والده في اول الامر ثم تلتها اصوات عده ... اراد ان يهرب من هذه الاصوات، تقلب على سريره ذات اليمين و ذات الشمال، نظر للشمعه المشتعله حدثها .... هل تسمعين هذه الاصوات، هل تصدقينهم؟؟؟!!! انا لست بلا مشاعر و لست بلا احاسيس.... كم احسدك ايتها الشمعه على مقدرتك في البكاء و التعبير عن نفسك، كيف تستطيع ذلك وانا لا استطيع؟! اذوب مثلك تماما و احترق لكن الهيكل يبقى كما هو ولا يتغير و لا يتبدل، اذلك ذنبي؟! كلما ارسلت دموعك الذائبة يعلم من يراك بأن عمرك قصير و انه سينتهي مع انخماد لهبك الذي تصدريه، لكنهم يتجاهلون و يتعامون عن ذوباني ... في كل مره اخبرهم باني متعب و بان ساعة نهايتي قد حانت و لا مفر منها، يضحكون و يقهقهون، ثم يطلبون المزيد من الضوء ... من اين لي المزيد و من اين لي الضوء و الدفء؟! و كيف سأبقى و الذوبان قد اكتمل و اشتد ولم يتبقى لي، ما يمكنني ان اشعله ... يفرحون بكِ كثيرا، و هم يشاهدون مراسم احتضارك و وفاتك... و يفرحون باحتضاري ايضا فليكمل كل منا الاخر انا و انت .... و نبدأ في الذوبان سويا الابيض ... شمعُ ذائب الاسود ... دخان الاحتراق الاحمر ... اخر لهب اصدراه

0 Comments:

Post a Comment

<< Home