Friday, April 08, 2005

الرجل الصغير

السبت 13/4/2002

22:35

عاد الى منزله قبل دقائق معدودة، سلم على والدته و والده و تبادل معهم كلماتٍ قليلة، ثم غادرهم متوجها الى غرفته المطلة على الشارع العام ..

ضغطت اصابعه على زر المصباح الكهربائي و زر مكيف الهواء، بينما اتجهة عيناه ناحية الحاسوب ..

فتح خزانة ملابسه، اخرج منها ملابس نومه الخضراء و وضعها على سريره .. بجوار قصةٍ اشتراها قبل اكثر من ثلاث شهور، لكنه لم يقرا منها أكثر من اربعين صفحة ..

لم تكن تلك عادته، فلا يكاد يسقط كتابا بين يديه حتى يلتهم حروفه خلال ساعاتٍ معدودة ..

استبدل ملابسه و رمى بجسده المنهك على السرير، فتح قصته من حيث توقف في الليلة السابقة، قرأ كلماتٍ قليلة و رماها ..

يشعر برغبة شديدةٍ في الاستفراغ، عض على شفتيه بقوةٍ فادماها، لكن الالم معدتها لم تسكن بل زادت حدتها و شراستها ..

كيف له ان يوقف هذه الالم التى ترافقه منذ ما يزيد على الثلاث سنوات، ولا يعلم لها سبب واضح ..

قصد الكثير من الاطباء و المختصين لإيجاد الدواء الشافي و العلاج الناجع، لكن دون جدوى، فكل من قصدهم وصلوا الى النتيجة ذاتها .. ليس هناك اي مرض عضوي .. و لا تخرج هذه الالم عن كونها حالةٌ نفسيه ..

زرع في نفسه رفضاً تاماً لتناول الاطعمه التي تجهز في المطاعم، كما اوهم نفسه بان والدته و جميع اقاربه و اصدقائه لا يقومون بطهي اللحوم - البيضاء و الحمراء - كما يجب، و هذا ما يسبب له الألم ..

طبيعة حياته تفرض عليه ان يتناول وجباته الثلاث خارج المنزل و مرافقة الامه طوال اليوم ..

و الغريب في الامر بانه يتفنن في اختيار اطباق وجباته التي يلفظها بعد دقائق قليلة من استقرارها في معدته ..

السبت 23/2/2002
23:03

انتهى اليوم الأول من أيام عيد الأضحى، بعد برنامج طويل من الزيارات العائلية المتوالية و الالتقاء بالأصدقاء و الأصحاب ..

أدار محرك سيارته و غادر منزل جدته – تعود أن يقضي يوم العيد الأول به – متجها إلى منزله، صاحبا معه بعض الموسيقى الهادئة ترافقه في الطريق الذي يتجاوز السبع و العشرين كيلومتر بقليل ..

لا تتجاوز سرعته العشرين كيلومتر عندما يقود سيارته في ممرات القرية الضيقة ..

لفت انتباهه طفلٌ يبلغ من العمر ثمان سنين و بضع اشهر، يبحث في حاوية القمامة – على طرف الطريق – عن شيء ما، و بدل أن يرتدي ملابس العيد الجديدة، يرتدي ملابسا رثة بالية ..

اجبره فضوله على إيقاف سيارته و الترجل منها، ليسأل هذا الصغير عن سبب بقائه خارج منزله لهذا الوقت المتأخر من الليل..

" اليوم هو أول أيام العيد، ولابد أن أجد بعض فضلات طعام العيد هنا" ... هكذا أجابه الصغير ..

أحس بصداعٍ عنيف، و أن رجليه لا تقويان على حمله، و تسربت قطرات من الدموع من عينيه، اخرج من محفظته ورقة نقدية – ذات فئة كبيرة – و قدمها للصغير ..

لم يلتفت الصغير للورقة النقدية- قاصدا – ولم يعرها أي اهتمام، و استمر في بحثه في حاوية القمامة ..

اقترب منه اكثر، انتزعه من بين أكوام القمامة، و أوقفه قبالته

" ما اسمك؟! هل أنت جائع؟ "

صمت الطفل طويلا، دمعة صغيرة بللت أطراف رمش عينيه، رفع رأسه ابتسم ابتسامة خجولة، و هم بالعودة لحاوية القمامة من جديد ..

ضغط على يد الصغير بقوة كبيرة، نظر له نظرة تكاد تقتلعه من مكانه، خاطبه بصوتٍ مرتفع .. " اترك حاوية القمامة و تخير من المطاعم الموجودة أمامك ما تشاء و اطلب لك و لأهلك طعاما أنا ادفع ثمنه "

ابتسم الطفل من جديد، و يده تأن تحت قوة قبضته .. فكر قليلا .. " أريد طبقاً من الحمص و رغيف خبزٍ واحد "

علت وجهه علامات الدهشة و الاستغراب " فقط!!!!!! " .. قالها بصوت خافت يحدث به نفسه ..

اجزم بان هذا الطفل مجنون، فبعد أن تجاهل يدي الممدودة بالورقة النقدية هاهو يتجاهل دعوتي لإطعامه، ويختار طعاما لا يبلغ في مجموعه اكثر من مائة و عشرين فلساً...

اشترى له ما أراد و أخلى سبيله، فركض مسرعا باتجاه حاوية القمامة من جديد ليتناول طعامه جوارها .. و قبل أن يضع اللقمة الأولى في فمه، نظر نحوه ... و اقترب منه، قبله على جبهته و همس في أذنه .. اسمي ضياء ...

الجمعة 5/4/2002

16:07

يتبادل الأحاديث مع والدته و هما في طريقهما إلى منزل العائلة الكبير، لقضاء بعض السويعات معهم في أحاديث عائلية حميميه ..

شاهد دخاناً كثيفاً يتصاعد من الجهة الشرقية، أبطئ من سرعة سيارته قليلا، و تمكن من تحديد مصدر الدخان تقريباً .. " حريق في المنطقة القريبة من سفارة الولايات المتحدة الأمريكية " .. اخبر والدته

معلنٌ منذ أيام أن تتجه مسيرةٌ حاشدة في اتجاه سفارة الولايات المتحدة الأمريكية للتعبير عن الغضب الشعبي العارم، بعد الإهانة التي وجهها السفير الأمريكي لهذا الشعب بشتى توجهاته ..

سبب بقائه في المنزل في ذلك اليوم هو عدم اقتناعه بجدوى هذه المسيرات التي اعتبرها ولا زال مجرد تمثيل يلمع به الحاكم صورته أمام كاميرات التلفزيون، مستغلا اندفاع الشعب للتعبير عن مشاعرها الحقيقية ..

وصل مع والدته إلى بيت العائلة الكبير، ومع أول خطوة له داخل البيت، اخبره ابن عمً له بتوارد أخبار من المتواجدين أمام مبنى سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، تفيد بوجود مصادمات و مواجهات عنيفة تم استخدام الغازات المسيلة للدموع و الرصاص المطاطي فيها، و سقط بعض المصابين هناك ..


حاول الاتصال اكثر من مره بأحد المتواجدين هناك، لكن دون جدوى، بسبب الضغط الكبير على شبكة الاتصال ..

بعد اكثر من أربعين دقيقة من محاولات الاتصال، استطاع التحدث أخيرا مع أحد الأشخاص من خلال هاتف ابن خاله – علاء – و اخبره محدثه بأن علاء يعاني من اختناق شديد بعد أن سقطت عبوة من الغاز المسيل للدموع تحت رجله، و هو الان يتلقى العلاج في أحد المنازل القريبة ..

ترك سماعة الهاتف فورا و أسرع في ركوب سيارته متجه للبيت الذي يرقد فيه علاء ..

باهت اللون بارد الأعضاء و محاولات إنعاشه بالتنفس الاصطناعي الكثيرة لا تحمل الكثير من التقدم في حالة علاء ..

حمله بين ذراعية، و ضعه في المقعد الخلفي لسيارته، و تحرك بها قليلا ..

لم يفته وهو في هذه الظروف أن يركز بصره على وجه ذلك الصغير الذي حفرت صورته في ذاكرته ..

ملامحه لم تكن هادئة كما رآه أول مره، بل هو مذعورا إلى ابعد الحدود، يقوم بإشارات سريعة بيديه و يضرب بها رأسه بقوة فوق أذنه اليمني و يبكي ..

بعد المسافة بينهما و الضوضاء الشديدة و صوت الطلقات لم تسمح له بسماع صوت الصغير ..

بين جموع المتظاهرين، حرك سيارته أبطئ في اتجاه الصغير، و فت نافذة سيارته .. " ضياء .. ماذا جرى " .. التفت ضياء – الصغير – مسرعا لمصدر الصوت .. " سقط شهيد " .. ما إن فرغ من جملته تلك حتى غاب بين المتظاهرين ..


السبت 6/4/2002

الساعة 00:20

أخيرا استفاق علاء من إغمائه و تمكن من التنفس طبيعيا بعيدا عن أجهزة الأوكسجين ..

لم يتبقى إلا أن يخضع للمراقبة الطبية لفترة قصيرة قبل أن يعود للمنزل ..

قسم الطوارئ و الحوادث في المستشفى المركزي يعج بالمئات من الرجال و النساء ما بين مصابٍ في المسيرة التي انطلقت عصرا و ما بين مرافقٍ لاحد المصابين ..

أهواءٌ مختلفة و مستوياتٌ متباينة من الناس جمعها قرارٌ واحد يدين تصرف الحكومة المحلية في مواجهتها للجماهير قبل أن يدين تصريح سفير الولايات المتحدة الأمريكية المهين لها ..

تساوى الاثنان في نظر العامة، فلا فرق بين من وجه إهانة للشعب عامه من أرسل قواته لضرب هذا الشعب ..

اقتنع تماماً الان بالنتيجة التي وصل لها سابقا .. " الحاكم يستخدم الشعب فيما يدعم به موقفه إعلاميا، و يضرب بيدٍ من حديد عندما يخرج الشعب عن الخط الذي رسم له " ..

شعار الشفافية و المكاشفة و حرية التعبير المكفولة، ليست سوى كلمات لاستهلاك وزارة الأعلام و أبواق الحاكم، و ليس لها تطبيق حقيقي على ارض الواقع ..

قبل اقل من شهر انتشرت أجهزت الأعلام في الشوارع لعمل استفتاء شعبي شامل، في شأن الوضع الخطير في الأراضي الفلسطينية، و الذي أعلن الحاكم قبل إطلاقه لهذا الاستفتاء بأنه سيوصل أرادت الشعب كاملة في اجتماع الزعماء العرب، و ذلك أخذا منه بمبدأ الديمقراطية ..

طعن – الحاكم - مصداقيته بنفسه، و اسقط شعبيته حتى في صفوف محبيه و الموالين له، عندما سقط في أول اختبار ديمقراطي حقيقي مطالب بطرد السفير الأمريكي من البلاد، مشفوعا هذا الطلب بتواجد علمائي كبير العدد و حضور شعبي يبلغ تعداده اكثر من عشرين ألف شخص، كلهم هتفوا مطالبين بضرورة طرد تلك الشخصية الأمريكية التي لا يرغب في بقائها إطلاقا على ارض هذا الوطن ..

بدل أن يستجب الحاكم لهذا المطلب الشعبي بتنفيذه، استجابت للمتظاهرين ارتالٌ من عبوات الغازات المسيلة للدموع و طلقات الرصاص المطاطي ..

خرج علاء من المستشفى مع تباشير الفجر الأولى ليوم السبت، كما انتشر تقريرٌ طبي يشهد بان محمد جمعه المصاب برصاصة مطاطية أدت إلى كسر في الجمجمة، ميت سريريا ..


الأربعاء 10/4/2002

الساعة 11:41

ارتفع صوت المؤذن معلنا دخول وقت صلاة الظهر، متزامنا مع تعالي صوت رنين هاتفه النقال، تجاهل رنين الهاتف بعد أن ألقى نظرة سريعة على رقم المتصل، لكنه رد على المتصل بعد أن عاود الاتصال به اكثر من مرة في وقتٍ قصير ..

ثلاث جملٍ قصيرة تبادلها مع المتصل ثم تهالك على أحد المقاعد القريبة، و ضع كفه الأيسر على رأسه ضاغطا عليه بقوة، سحب أنفاسه بقوة، استمر على هذه الحال بضع دقائق ..

الأوراق التي أرسلتها وزارة التربية و التعليم ممثلةً في إدارات المدارس لأولياء الأمور، لطلب الموافقة على خروج أبنائهم في هذه المسيرة التي دعت الوزارة لها، ليست سوى صكوك وقع اولياء الأمور عليها تعطي الحكومة التخويل الكامل في قتل و إرهاب الطلاب ..

اكثر من سبع آلاف طالب و طالبه من مختلف المراحل الدراسية توجهوا إلى ميدان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بمصاحبة الطواقم الإدارية لمدارسهم، انقضت عليهم ارتال العبوات المسيلة للدموع و الرصاص المطاطي دون سابق إنذار أو تحذير ..

اكبر الطلاب لا يتجاوز الثامنة عشر من عمره بينما أصغرهم بالكاد يبلغ السادسة من عمره، فكيف يعقل أو يصدق أن طلاباً خرجوا من مدارسهم سوف يقتحمون السفارة الأمريكية و يزعزعون العلاقات بين الحكومتين!!!

وصل إلى المستشفى المركز قسم الطوارئ و الحوادث، و سبقه حضورٌ كبير بين الألفين و الثلاث آلاف مواطن يبحثون عن أبنائهم ..

كما تعرض الأبناء لعبوات الغاز المسيل للدموع و الرصاص المطاطي كذلك تعرض أولياء الأمور وهم مجتمعين في ساحة قسم الطوارئ و الحوادث لهذه الطلقات، كما حلقت طائرة عمودية فوق رؤوسهم تنقل تحركاتهم اولاً بأول لرجال مكافحة الشغب ..


كثافة الغازات المسيلة للدموع التي تم إطلاقها على المتواجدين هناك، أسقطت العشرات في تلك الساحة ..

على اكف بعض الموجودين حُمل ضياء عاليا بعد أن سقط من جراء كثافة هذه الغازات ..


الأحد 14/4/2002.
الساعة 10:00

توقف عند أحد المطاعم ليتناول وجبة الإفطار، فرآه جالسا على الطاولة الوحيدة في المطعم مع أحد الأطفال ..

يلبس بنطالاً اسوداً جديداً و قميصاً مخملياً ازرق، شعره مرتب، هيئته نظيفة، و رائحة عطرٍ رخيص تفوح منه ..

لم يصدق عينيه، فهذا الجالس على الطاولة هو ذاته ضياء، الفقير المعدم، الذي لا يجد طعاما يأكل منه سوى من حاويات القمامة ..

تجاهل معرفته به تماما حتى لا يشعره بالإحراج أو الانتقاص، كما تجاهل ضياء ذلك أيضا، رغم نظراتهما المتبادلة التي تحمل في طياتها الكثير من الكلام المتبادل ..

بحث ضياء في جيوبه طويلا قبل أن يستخرج منها مائة و خمسين فلسا، دفعها للبائع و طلب ارخص أنواع السندويشات الموجودة ..

صنع البائع السند ويش و سلمها لضياء الذي جلس قبالتها كمن يستعد لالتهام وجبة دسمة كبيرة، بعد طول انتظارٍ وجوع ..

سحب زجاجة الشطه الحراقه من طرف الطاولة، وضع بعض النقاط داخل السند ويش ، ومع قضمته الأولى قرأ المكتوب على الزجاجة ..

اخرج القطعة التي قضمها و رماها فورا .. " أمريكي !!!!!!!!!!! " .. رمي سند ويشه الوحيد، و اتجه لباب الخروج ..

" ما اسمك " .. صوتٌ من خلفه

أدار وجهه بعد ان ميز صوت السائل مبتسماً ابتسامةً خجولة ..

" اسمي .. ضياء " ....

0 Comments:

Post a Comment

<< Home